أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

92

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه منصوب على الظرف ، وفي العامل فيه على هذا ثلاثة أوجه : أحدها : نراك ، أي : وما نراك في أول رأينا على قراءة أبي عمرو وفيما يظهر لنا من الرأي في قراءة الباقين . والثاني : - من الأوجه الثلاثة - أن يكون منصوبا ب « اتَّبَعَكَ » أي : ما نراك اتبعك أول رأيهم أو ظاهر رأيهم ، وهذا يحتمل معنيين : أحدهما : أن يريدوا اتّبعوك في ظاهر أمرهم وبواطنهم ليست معك . والثاني : أنهم اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تثبت ولو تثبتوا لما اتبعوك . الثالث - من الأوجه الثلاثة - : أنّ العامل فيه « أَراذِلُنا » والمعنى : أراذلنا بأول نظر فيهم ، أو بظاهر الرأي بعلم ذلك ، أي : أنّ رذالتهم مكشوفة ظاهرة ، لكونهم أصحاب حرف دنيئة ، ثم القول بكون « بادِيَ » ظرفا يحتاج إلى اعتذار ، فإنه اسم فاعل وليس بظرف في الأصل . فقال مكي : « وإنما جاز أن يكون « فاعل » ظرفا ، كما جاز ذلك في « فعيل » ، نحو « قريب » ، و « مليء » ، وفاعل وفعيل يتعاقبان ك « راحم ورحيم ، وعالم وعليم » ، وحسن ذلك في « فاعل » لإضافته إلى « الرَّأْيِ » والرّأي يضاف إليه المصدر وينتصب المصدر معه على الظرف ، نحو : « أمّا جهد رأيي فإنك منطلق » . أي : في « جهد » . وقال الزمخشري : وانتصابه على الظرف ، أصله : وقت حدوث أول رأيهم ، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه . والوجه الثاني من السبعة - : أن ينتصب على المفعول به حذف معه حرف الجر مثل « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ » ، كذا قاله مكي . وفيه نظر من حيث إنه ليس فعل صالح للتعدي إلى اثنين إلى ثانيهما بإسقاط الخافض . الثالث - من السبعة - : أن ينتصب على المصدر . ومجيء المصدر على فاعل أيضا ليس بالقياس ، والعامل في هذا المصدر كالعامل في الظرف كما تقدم ، ويكون من باب ما جاء فيه المصدر من معنى الفعل لا من لفظه تقديره : رؤية بدء أو ظهور أو اتباع بدء أو ظهور أو رذالة بدء . الرابع : أن يكون نعتا ل « بَشَراً » أي : ما نراك إلا بشرا مثلنا بادي الرأي ، ظاهره أو مبتدءا فيه ، وفيه بعد للفصل بين النعت والمنعوت بالجملة المعطوفة . الخامس : أنه حال من مفعول « اتَّبَعَكَ » أي : وأنت مكشوف الرأي ظاهره لا قوة فيه ولا حصافة لك . السادس : أنه منادى ، والمراد به نوح - عليه السّلام - كأنهم قالوا : يا بادي الرأي ، أي : ما في نفسك ظاهر لكل أحد . قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء به والاستقلال عنه . السابع : أن العامل فيه مضمر تقديره : أتقول ذلك بادي الرأي . ذكره أبو البقاء . والأصل : عدم الإضمار مع الاستغناء عنه . وعلى هذه الأوجه الأربعة الأخيرة : هو اسم فاعل من غير تأويل ، بخلاف ما تقدم من الأوجه فإنه ظرف أو مصدر . واعلم انك إذا نصبت « بادِيَ » على الظرف أو المصدر بما قبل « إِلَّا » احتجت إلى جواب عن الإشكال وهو أن ما بعد « إِلَّا » لا يكون معمولا لما قبلها ، إلا أن كان متثنى منه نحو : « ما قام إلّا زيدا القوم » أو مستثنى نحو : « قام القوم إلّا زيدا » أو تابعا للمستثنى منه نحو : « ما جاءني أحد إلّا زيدا خير من عمرو » و « بادِيَ الرَّأْيِ » ليس شيئا من ذلك . وقال مكي : « فلو قلت في الكلام : « ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما فأوقعت اسمين مفعولين بعد إلا لم يجز ، لأن الفعل لا يصل ب « إِلَّا » إلى اسمين ، إنما يصل إلى اسم واحد ، كسائر الحروف ، ألا ترى أنك لو قلت مررت